ابن عجيبة
9
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
البخاري « 1 » . وقال ابن رشد : ليس بعد الشرك أقبح من الزنا ؛ لما فيه من هتك الأعراض واختلاط الأنساب ، ومن تاب فإن اللّه يتوب على من تاب . وباللّه التوفيق . وقوله تعالى : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ : قال في الإحياء : في الحديث : « خيار أمتي أحدّاؤها » « 2 » يعنى : في الدين ؛ قال تعالى : وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ ، فالغيرة على الحرم ، والغضب للّه وعلى النفس ، بكفها عن شهوتها وهواها ، محمود ، وفقد ذلك : مذموم . ه . وباللّه التوفيق . ثم نهى عن نكاح الزواني ، فقال : [ سورة النور ( 24 ) : آية 3 ] الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 ) يقول الحق جل جلاله : من شأن الزَّانِي الخبيث : أنه لا يرغب إلا في زانية خبيثة من شكله ، أو في مشركة ، والخبيثة المسافحة لا يرغب فيها إلا من هو من شكلها ، من الفسقة أو المشركين . وهذا حكم جار على الغالب المعتاد ، جئ به ؛ لزجر المؤمنين عن نكاح الزواني ، بعد زجرهم عن الزنا بهن ؛ إذ الزنا عديل الشرك في القبح ، كما أن الإيمان قرين العفاف والتحصن ، وهو نظير قوله : الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ « 3 » . روى أن المهاجرين لمّا قدموا المدينة ، وكان فيهم من ليس له مال ولا أهل ، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات ، يكرين أنفسهن ، وهنّ أخصب أهل المدينة ، رغب بعض الفقراء في نكاحهن ؛ لحسنهن ، ولينفقوا عليهم من كسبهنّ ، فاستأذنوا النبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت « 4 » ، فنفرهم اللّه تعالى عنه ، وبيّن أنه من أفعال الزناة وخصائص المشركين ، فلا تحوموا حوله ؛ لئلا تنتظموا في سلكهم وتتّسموا بسمتهم . قيل : كان نكاح الزانية محرما في أول الإسلام ، ثم نسخ بقوله : وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ « 5 » . وقيل : المراد بالنكاح : الوطء ، أي : الزاني لا يزنى إلا بزانية مثله ، وهو بعيد ، أو باطل .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ، مطولا في ( الجنائز ، باب 93 ح 1386 ) من حديث سمرة بن جندب رضي اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه الطبراني في الأوسط ( ح 5793 ) والبيهقي في الشعب ( ح 8301 ) من حديث سيدنا علىّ ، بسند ضعيف ، وزادا : ( والذين إذا غضبوا رجعوا ) . . ( 3 ) الآية 26 من سورة النور . ( 4 ) عزاه السيوطي في الدر ( 5 / 38 ) لابن أبي حاتم ، عن مقاتل . ( 5 ) من الآية 32 من سورة النور .